| جمال عبد الناصر وإشكالية الديمقراطية والمشاركة السياسية .. ج (2) عوني فرسخ |
|
|
|
| الأعمدة - عوني فرسخ | |||||||||
| الكاتب Administrator | |||||||||
| الثلاثاء, 09 مارس 2010 23:44 | |||||||||
|
خامساً : الصدام مع الإخوان المسلمين : قبل أن يشكل عبـد النـاصر حـركـة " الضباط الأحـرار " التحق وبعض رفاقه بجماعة " الإخوان المسلمين " ، ولم يطل مقامهم فى الجماعة لعدم استطاعة قيادتها الرد على تساؤلاتهم السياسية والاجتماعية (42) ، ومع ذلك بقى للجماعة تقديرها عنده لدرجة أنه قبيل التحرك ليلة 23 يوليو / تموز 1952 تولى إبلاغ الجماعة بموعد الحركة ، وفى الصباح كان عدد من شباب الإخوان يحرسون المنشآت العامـة ومراكـز العبادة ، غير أن بيان المرشد العام حسن الهضيبى بتأييد الحركة لم يصدر إلا بعد إعلان تسفير الملك يوم 26 يوليو / تموز (43) . ولقـد كان عبـد الناصر شديـد الحرص على استقلالية الحركة ، وعدم وقوعها تحت سيطرة أى منظمـة حزبيـة ، فيمـا كان الهضيبى يطمح لأن يكون موجه الحكم الجديد وصاحب الكلمة الفصل فى قراراته (44) ، ووقع الصدام الأول بين الطرفين على خلفية مشاركة الشيخ أحمد حسن الباقورى عضو " مكتب الإرشـاد " ، والمستشار أحمـد حسنـى فى وزارة محمــد نجيـب الأولى (45) ، وعندما اختلف " مجلس قيادة الثورة " مع على ماهر وغالبية وزرائه حول الإصلاح الزراعى ، انحاز الهضيبى إلى جانب رئيس الوزراء مؤيداً اقتراحه بأن يكون الحد الأعلى للملكية 500 فدان .
و مـا بيـن 23/7/1952 - 26/10/1954 غلبـت الإيجـابيـة على السلبيـة فى عـلاقــة " مجلس قيـادة الثـورة " - وبخاصـة عبـد الناصر - مـع الإخـوان ، فقـد كان معظم المفرج عنهم فى أكتوبر / تشرين 1952 من معتقلى الإخوان ، بمن فيهم قتلة النقراشى ، كما أعيد النظر فى محاكمة المتهمين باغتيال حسن البنا ، وتمـت إدانتهـم ، وكذلك حُكِم وأديـن إبراهيـم عبد الهادى وعدد من الضباط فى قضايا معتقلى الإخوان ، واختير ثلاثة من الإخوان أعضاء فى لجنة وضع الدستور سنة 1953 ، كما استثنى الإخوان من قرارى تطهير الأحزاب وحلها ، ولقد رحبت الجماعة بقرار الحل ورأت فى استثنائها الجماعة على أنه وليد رغبة عبد الناصر فى عدم وقوفها إلى جانب الأحزاب فى جبهة واحدة (46) . وانقسم الإخوان يومذاك بين الداعين للتعاون مع مجلس الثورة ، وحل الجهاز الخاص ومعارضى الأمرين (47) ، وعندما احتدم الخلاف بين قادة الإخوان ، واحتل بعضهم مركز الجماعة مطالبين باستقالة الهضيبى ، لجأ الطرفان إلى عبد الناصر ليفصل بينهم (48) ، ولقد رأى الهضيبى ومناصروه فى " هيئة التحرير " محاولة لتجـاوز دور الجماعـة ، ولم يستجيبـوا لدعوة عبد الناصر لدمج التنظيمين ، وإنما دخلوا فى صراع متصاعد مع الهيئة ، خاصة فى المهرجانات التى كانت تستقبل نجيب وقادة الثورة (49) ، ولم يبد الهضيبى موقفاً إيجابياً تجاه المشاركة فى الأعمال الفدائية فى منطقة القناة عندما طلب منه ذلك للضغط على الإنجليز فى مفاوضات الجلاء (50) . وعلى خلفية اتصالات الهضيبى بالمستشار السياسى للسفارة البريطانية ، واعتبار ذلك إضعافاً للموقف التفاوضى المصرى ، جـرى اعتقاله و 450 من أنصاره ، وإعلان حل الجماعة (51) ، ويلاحظ أن حملة الدعاية الحكومية بالمناسبة حصرت بالمتورطين دون الجماعـة (52) . واستجابـة لـوساطـة الملك سعـود أفـرج عـن المعتقلين وأعيـد إشهـار الجماعة " كحركة دينية " ، وفى أزمـة مارس / آذار 1954 أيدت الجماعة نجيب والأحزاب بدايةً ، وشاركت فى المظاهرات المطالبـة بعـودة " الــديمقـراطيـة " ، وكـان عبـد الـقـادر عــودة مــن أبرز الخطباء ، إلا أن عبـد الناصر زار الهضيبى يوم 25/3/1954 واتفق معه علـى تشكيـل " لجنة لدراسة المشاكل المعلقة " ، وفى اليوم التالى نادى الهضيبى بالحاجة إلى حياة نيابية نظيفة ، وامتنع طلبة الإخوان عن المشاركة فى مظاهرة الأحزاب التى اتهمت الجماعة بعقد صفقة مع النظام أنقذت حياته . وعندما أعيد حل الأحزاب بعد 28/3/1954 استثنيت الجماعة من جديد (53) . وحين أعلن عن اتفاقية الجلاء أدانها الهضيبى ، إلا أن التعايش القلق بين الطرفين لم يتأثر كثيراً . وفى 14/9/1954 عقدت الجمعية التأسيسية للإخوان اجتماعاً بحضور 96 عضواً من 112 ، ولم يحضره الهضيبى ، وانقسم الحضور حول الموقف من الثورة فأيدها 76 عضواً ( 77 % من الحضور ، و 67 % من مجموع الأعضاء ) وقرروا إعطاء الهضيبى إجازة ، وإعفاء أعضاء مكتب الإرشاد (54) . وفى 26/10/1954 جرت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وأعقبتها اعتقالات طالت 2943 معتقلاً ، وشكلت : " محكمة الشعب " برئاسة جمال سالم ، وعضوية أنور السادات وحسين الشافعى ، فأصدرت أحكاماً على 867 شخصاً ، فيما أدانت المحكمـة العسكرية 254 شخصاً ، ونفذ حكم الإعدام بحق ستة بينهم عبد القادر عودة ويوسف طلعت ، فيما خفض حكم الإعدام عن الهضيبى ، ثم أفرج عنه صحياً ، وقد أفرج عن جميع المعتقلين قبل 23 يوليو / تموز 1956 (55) . ومما سبـق يتضح أن الصدام لـم يقع مـع " الإخوان المسلمين " كجماعة ، وإنما مع المرشد العام وأنصاره ، ولا على خلفية موقف من الإسلام أو الديمقراطية ، وإنما على دور فى السلطة وتوجيه الحكم ، وذلك ما تكرر فيما بعد مع سيد قطب وأنصاره سنة 1965 . ونلاحظ أنه فى مرحلة الحسم لم يلاحق سوى المتورطين فى مواقف معادية ، كما أن عدداً غير يسير من الإخوان تواصل تعاونهم مع الحكم ، واحتلوا مناصب كبيرة فى أجهزته . وبرغم ذلك يؤخذ على الحكم أنه فى دعايته المضادة لم يميـز بين القلة التى اصطفت إلى جانب القوى المعادية المحلية والأجنبيـة ، والأكثريـة التى كانت أقـرب إلى الإيجابيـة ، مما تسبب فى أن تغدو الأقلية مستقطبة للأكثرية ومعبرة عن تيار أساسى فى المجتمع ، كمـا أنـه مـا كان يجــوز لحكــم أدان تعـذيـب معتقلـى الإخوان فى العهد الملكى أن يقـع فى الخطيئة ذاتهـا ، بحيـث أثـر سلبياً على صـورة ثـورة تفـردت بنقاء الصفحة نسبياً مـن ممارسة العنـف ، قياساً بالثورات الكبرى فى التاريخ . وبرغم التجاوزات التى لا تنكـر ، ومـا خلفـه الصدام مـن تراكمات لـم تسلم منها العلاقة فيما بين التيارين القومى والإسلامى ، إلا أنه يمكن القول بأن الصدام مع الإخوان لا يمكن اعتباره صداماً حول الديمقراطية بحال من الأحوال ، ولا يجاوز كونه فرعاً من صدام الثورة مع الثورة المضادة ، والشىء المؤكد أنه ما من نظام - ليبرالى أو غير ليبرالى - يتساهل مع قوة تحاول أن تقلبه بقوة السلاح ، أو يقبل أن يكون استعمال العنف المسلح أداة من أدوات تداول السلطة ، أو سبيلاً لفرض المشاركة السياسية ، وعليه يمكن القول بأن الصدام مع الإخوان - برغم التجاوزات المدانة - لا يعبر مطلقاً عن صراع من أجل الديمقراطية بحال من الأحوال . سادساً : دستور 1956 والتقدم على طريق " الديمقراطية الاجتماعية " : شكلت يوم 13/1/1953 لجنة لوضع الدستور برئاسة محمد فهمى السيد ، ضمت " 3 " مـن أعضـاء لجنـة دستور 1943 ، و " 4 " من زعماء الوفد ، و " 2 " من الأحرار الدستوريين ، و " 2 " من السعديين ، و " 3 " من الإخوان ، و " 3 " من الحزب الوطنى ، و " 2 " من الحزب الوطنى الجديد ، ورئيس الكتلة الوفدية ، وعضو من مصـر الفتاة ، ورؤساء محكمة النقض ، ومجلس الدولة ، والمحكمة الشرعية العليا ، و " 3 " من ضباط الجيش والشرطة ، و " 3 " من أساتذة القانون الدستورى ، ورئيس جامعة القاهرة ، و " 19 " من كبار رجال الاقتصاد والسياسة المستقلين ، والشخصيات العامة بينهم " 6 " من الأقباط ( 56) . وحيـن تقـدمـت اللجنـة بالمشروع الـذى أعدته تبين أنه يستهدف إقامة " جمهورية برلمانية " ، وعلى نحـو يـوحـى بـأن القـوى الحـزبية المشاركة فى اللجنة وضعته على صورة لا تدع للضباط الأحـرار دوراً يؤدونه فى الحكم ، مما تسبب فى رفض المشروع (57) ، وقد علل عبد الناصر رفضه بأن اعتماد النظام البرلمانى يقصر دور الشعب على مهمة انتخاب النواب فى فترات معينة ، ولا يفسح مجالاً ليمارس الشعب أى سلطة ما بين الانتخاب والآخر . وهــذا مــا اتفـق عليـه فقهـاء القـانـون الـدستـورى بمصـر ، كل مـن : ثروت بدوى فى موجز القانون الدستورى ص 135 ، وعبد الفتاح ساير داير فى القانون الدستورى ص 444 ، وسليمان الطماوى فى القانون الدستورى المصرى ص 107 (58) . وتحت إشراف عبد الناصر وضع دستور 1956 متجاوزاً الليبرالية شكلاً بأسلوب المشاركة الشعبية ، ومضموناً بوظيفة الدولة التى انتقلت بموجبه من مؤسسة ليبرالية سلبية إلى مـؤسسة اجتماعيـة فاعلة . وهذا ما يتضح من نصوص المواد : (4) التضامن الاجتماعى أساس المجتمع المصرى . (7) ينظم الاقتصاد القومى وفقاً لخطط مرسومة تراعى فيها مبادئ العدالة الاجتماعية ، وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة . (8) النشاط الاقتصـادى حـر على ألا يضر بمصلحـة المجتمـع ، أو يخـل بـأمـن الناس ، أو يعتدى على حريتهم وكرامتهم . (9) يستخدم المال فى خدمة الاقتصاد القومى، ولا يجوز أن يتعارض فى طريقة استخدامه مع الخير العـام للشعـب . (11) الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية (59). ونص الدستور على أن مصر دولة عربية ، وشعبها جزء من الأمة العربية ، ودينها الإسلام . كما تضمن كافة الحريات ، والحقوق السياسية ، وقواعد النظام النيابى التى تضمنها دستور 1923 . وأضاف إلى ذلك انتخاب رئيس الجمهورية باستفتاء شعبى ، واستفتاء الشعب فى المسائل الهامة ، بما فيها تعديل الدستور . وكذلك نص على قيام " الاتحاد القومى " عن طريق الانتخاب ، وبموجبه أعطى رئيس الجمهورية سلطات واسعة ، فيما أعطى مجلس النواب حـق محاكمة رئيس الجمهوريـة ، واستجـواب الـوزراء ، وسحب الثقة منهم وفى تقويمه يقرر د. سيف الدولة : " بكل المقـاييس النظريـة كان دستور 1956 أكثر ديمقراطية من أى دستور سابق ، لأنه أضاف إلى ما سبق ولم ينتقص منه شيئاً مما كان للشعب من قبل " (60) . وليس من شك أن دستور 1956 تجاوز الليبرالية شكلاً ومضموناً ، ولكنه لم يؤسس لنظام فاشى ، وهذا ما ينفيه أستاذ القانون الدستورى جورج باردو - الذى يعد أفضل المختصين الفرنسيين - فهو يقول : " لا .. ليس هذه فاشية .. بل قيصرية تقنية تجمع بيد الزعيم سلطات رئيس الدولة ورئيس الحكومة " (61) . وحين يؤخذ فى الاعتبار أن عبد الناصر لم يكن يمثل طبقة مستغلة ، وإنما كان منحازاً إلى أبعد حدود الانحياز للغالبية التى تعانى من الاستغلال ، يتضح أن " القيصرية التقنية " كانت غايتها الدفع باتجاه تحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية ، وتذويب الفوارق الطبقية . وكثيراً مـا وجـه الانتقـاد لـدستور 1956 - والتجربـة الناصرية بشكل عام - من ناحية " مركزية السلطة " ، وغالباً ما ذهب ناقدو " المركزية " إلى الادعاء بأن ذلك من بعض التراث المصرى فى الحكم ، الذى تولد عن مجتمع النهر ، والذى جرت محاولة فرضه فى سوريا على عهـد الـوحـدة مـن منطلـق " التمصير " . وقـد فـات الناقدين أن " مركزية السلطة " فى التجربة الناصرية إنما نشأت بفعـل التحول فى وظيفة الـدولة مـن السلبيـة ( الليبراليـة ) إلى الإيجابية ( الاجتماعية ) ؛ ذلك لأن الدولة حين تلتزم بتوظيف الموارد البشرية والمادية المتاحة لإشباع حاجات المواطنين ، فإنها مضطرة لاعتماد خطة مركزية شاملة ، لا يمكن تنفيذها بأكبر قدر ممكن من النجاح بدون سلطة مركزية تنفيذية قوية تتابع تنفيذ الخطة فى كل مجالاتها ، ثم إن النظم الاشتراكية - أو التى تتجه اشتراكياً - لا تعرف المناصب الشرفية . وعليه فسلطات الرئيس فى دستور 1956 - ودستور 1964 من بعده - سلطات طبيعية ومتسقة مع دوره فى مجتمع يتحول اشتراكياً (62) . وبعـد الاحتفـال بالجـلاء يـوم 18/6/1956 جـرى الاستفتـاء على الـدستور ورئاسة عبد الناصر للجمهورية يوم 25/6/1956 ، وبالنص على الاستفتاء الشعبى ، أخذاً بالنظام الذى أدخل فى وسط أوروبا مع مطلع القرن العشرين ، لاستكمال قصور النظام الليبرالى . وكان صعود النازية والفاشية قد أوقف العمل بالاستفتاء الشعبى ، حتى أعادته فرنسا بموجب دستور ديجول سنة 1958 ؛ أى بعد إقرار دستور 1956 . وبإصـدار الـدستـور وانتخـاب الـرئيس انتهـت فتـرة الانتقـال ، وحـل " مجلس قيادة الثورة " ، وألغيـت الأحكـام العـرفيـة . وكانت معظم المعتقلات قـد صفيـت ، واستبعـد عـدد مـن " الضباط الأحرار " ممن تولوا المسئولية الأمنية وفى " هيئة التحرير" ، الذين شوهت صورتهم شعبياً ، وأجريت الانتخابات العامة بحرية نسبية ، وأضفى المجلس الشرعية على النظام (63) . ودخلت المرأة مجلس النواب لأول مرة فى تاريخ البلاد العربية . وكانت الانتخابات قد تمت بموجب قانون الانتخاب رقم 73 لسنة 1956 ، والذى أطلق حق الانتخاب بدون قيود لأول مرة فى تاريخ مصر ، وبموجبه خفـض سن الناخـب إلى 18 سنـة، وتـأميـن المـرشح مـن 150 جنيهــاً إلى 50 جنيهاً ، ومنحت المرأة حق الانتخاب والترشيح ، ومنح العسكريون حق الانتخاب ، وجعل الانتخاب إجبارياً ، بفرض جنيه غرامة على المتخلف ، وذلك لحمل الجمهور على المشاركة . ومنذ اليوم الأول للثورة اهتم عبد الناصر بالإعلام والإعلاميين ، وأقام صلات وثيقة بكبار الصحفيين بمصر ، وكان حريصاً على متابعة الصحف العربية والأجنبية ، كما اهتم بالإذاعة ، ومن بعد بالتلفزيون ، كأداة للتواصل مـع الشعـب وتشكيـل الـرأى العـام ، ولتحقيق هذه الغاية أنشئت وزارة " الإرشاد القومى " ، وأسست " دار التحرير للطباعة والنشر" ، التى صدرت عنها مجلة " التحرير " وصحيفة " الجمهورية " ، كما صدرت صحيفتا " الشعب " و " المساء " ، وتولت الصحافة والإذاعة إبراز منجزات النظام ، وفضح فساد العهد الماضى ، كما أنشئت إذاعة " صوت العرب " ، وعدد من الإذاعات الموجهة لأفريقيا وآسيا بعدد من اللغات. ولقد نمت أجهزة الإعلام الرسمية وطورت ، ونجحت نجاحاً هائلاً فى تأثيرها بمصر وعلى مدى الوطن العربى ، وفى معظم العام الثالث ، وحدت كثيراً من متابعة الإذاعات الاستعمارية بحيث غدت الأشد تأثيراً فى الرأى العام عربياً وإفريقياً. وليس أدل على ما حققته أجهزة الإعلام المصرية يومذاك من الاهتمام البالغ الذى أولته " وكالة المخابرات المركزية الأمريكية " لتأثير " صوت العـرب " ، وحيـن تبيـن لها صعوبة إنشاء إذاعة بديلة منافسة " وجدت أن أفضل حل هو إسكاتها فى أول مناسبة ، وهذا ما حاولته الطائرات الإسرائيلية عام 1956" (64) . فى حيـن لـم تشهـد الصحـف القائمـة تطويـراً ، وبقيـت لأصحابها كامـل حـريتهـم ، ولـم يستبعـد أحد من المسئولين عن صحف " أخبار اليوم " و " الأهرام " و " دار الهلال " و " روز اليوسف " ، برغم نشر كشف المصاريف السرية فى العهد الملكى ، وفيما عدا " روز اليوسف" التى مارست النقد لم تمارس سواها نقد ما يجرى ، رغم رفع الرقابة عام 1956 ، مما يدل على أنها ظلت بعيدة عن التجاوب الفعال مع روح الثورة (65) ، مع أنه توفرت حرية النقد الموضوعى المتحرر من الغرض ، وهذا ما يوضحه خالد محمد خالد فى مذكراته ، فهو يؤكد أنه منذ أصدر كتابه " الديمقراطية أبداً " فى الشهور الأولى للثورة ، وحتى اليوم الذى لقى فيه عبد الناصر وجه ربه ، توفرت له حرية النقد كاملة ، ويقرر " إن عبد الناصر لا يعاقب على النقـد ، وإنما يعـاقـب على الحقـد " ، ويـذكـر أنه كتب ناقـداً دستـور 1956 ، ومعتبراً " الاتحاد القومى " الحزب الواحد ، وأن عبد الناصر قرأ المقال وأقره ، وسمح بنشره كاملاً ، وأن الباقورى نقل إليه قول عبد الناصر : " إننى صرت أفضل أن أقرأ لخالد المؤيد " (66) . وليس ينكر أنه شاب الممارسة العملية قصور ، ووقعت تجاوزات بحق المعارضين من اليمين واليسار ، إلا أن التجربة لقيت استجابة غالبية الشعب العربى بمصر ، جسدها الالتفاف الواسع من حول قيادة عبد الناصر ، ولا يعود ذلك الالتفاف إلى المنجزات التى تحققت والآمال التى تعاظمت فحسب ، وإنما أيضاً لأن تركيز السلطتين ؛ التشريعية والتنفيذية بيد عبد الناصر لم يتسبب بخسارة جماهير الشعب سلطة كانت تملكها فشعب مصر " لم يكن يحكم ولا كان يشارك فى الحكم ، ولم تكن لإرادتـه أثـر يـذكـر فى شـئون السلطـة والصراع على توليها بين الأحزاب والقصر والمحتلين " (67) . يضاف إلى ذلك أن التحول باتجاه " الديمقراطية الاجتماعية " المتمثلة بتدخل الدولة فى الشئون الاقتصادية والاجتماعية ، كان النظام الذى يتجه إليه التطور الديمقراطى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وبالتالى كان التحول المستجد متوافقاً مع التوجيهات الديمقراطية المعاصرة ، الأمر الذى يحسب للتجربة الناصرية . سابعاً : البعد الديمقراطى فى تجربة الوحدة المصرية / السورية : القول الشائع ، حتى فى أوساط القوة والعناصر القومية الوحدوية ، أن سوريا خلال عهد الوحدة عانت من الافتقار للديمقراطية ، وغياب المشاركة السياسية ، وإن ذلك كان فى مقدمة عوامل نجاح الردة الانفصالية . فى حين يدعى غير القوميين - على اختلاف انتماءاتهم - أن سوريا خسرت بالوحدة الديمقراطية ، وأن التطلع لاستردادها أبرز عوامل الانقلاب على الوحدة . وبرغم اتضـاح الـدور الخارجى فى تدبير ، وتمويل ، وإنجـاح المؤامرة الانفصالية ؛ لم يُعِد القوميون وغير القوميين النظـر فى مقـولاتهم حول غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية فى عهد الوحدة . ولقد سبقت الإشارة إلى أن قصور النظام الليبرالى كان أبرز عوامل الانقلابات العسكرية وتأييدها نخبوياً وجماهيرياً ، وفى دراسة للواقع فى المشرق العربى انتهى عـدد من علماء السياسة والاجتماع العرب إلى القول : " لقد أدت الديمقراطية البرلمانية إجمالاً إلى مزيد من التسلط المحلى فى سوريا والعراق " (68) ، ومع أنه تمت إعادة تفعيل مؤسسات النظام الليبرالى بعد سقوط الشيشكلى فى ربيع 1954 إلا أن الليبرالية لم تُستَعد ، إذ تميز الواقع الجديد بأن كان لقوى اليمين أكثرية عددية ساحقة فى جميع تلك المؤسسات ، كما احتفظت بسيطرتها الاقتصادية ، ونفوذها الاجتماعى ، بينما كان تحالف كبار ضباط الجيش مع اليسار - بقيادة البعث - هو المتحكم بالقرار السياسى . ولأن أياً من طرفى المعادلة لم يملك قدرة إلغاء دور الآخر ؛ لم يكن النظام القائم ليبرالياً ولا ثورياً ، وإنما كان موضوع صراع ضمنى بين مدعى الليبرالية ودعاة " الديمقراطية الشعبية " . وكانت جميع أحزاب سوريا متخلفة على صعيد الفكر ، والتنظيم ، والتفاعل مع الجماهير ، وعلى نحو غير متميز كيفياً عما سبقت الإشارة إليه من تخلف " المؤسسة الحزبية " العربية ، فيما كانت الصحافـة السورية تعيش واقعـاً مأزوماً ، وصل بخـالد العظم حد الإدعاء بأنها كانت تمر بأسوأ أيامها منذ الاستقلال ، وأن أصحابها كانوا يقبضون من الحكومة ، والشركات ، والمصارف ، والدول العربية ، والعملاء الأجانب (69) ، بينما لم يضع سقوط النظام الديكتاتورى حداً لتجاوزات " المكتب الثانى " غير الممكنة الحدوث فى نظام ليبرالى (70) . وفى ضـوء الواقع عشية الوحدة يمكن الجزم بأن سوريا لم تخسر بالوحدة نظامها الليبرالى ، ذلك لأنـه كان قد سقط عشية انقلاب حسنى الزعيم فى ربيع 1949 ، ولم يستعد غداة سقوط الشيشكلى فى ربيع عام 1954 ، والشىء المؤكد أنه لو أن الليبرالية كانت قائمة لما قبل اليمين ، صاحب الغالبية الساحقة فى المجلس النيابى بالوحدة مع مصر ، بعد أن بات واضحاً انحياز نظام عبد الناصر للغالبية ، ومباشرته عملية تغيير جذرية لصالحها ، اقتصادياً واجتماعياً ، ناهيك عن تجاوزه الليبرالية شكلاً ومضموناً . ونلاحظ أن جميع مـواثيق الـوحدة المتفـق عليهـا جـاءت متوافقـة مع ما كانت قد انتهت إليه التجربة الناصرية ، وبخاصة تجاوز الليبرالية شكلاً ومضموناً ، ومع ذلك أقرها ووقعها جميع صناع القرار السورى ، مدنيين وعسكريين ، وجميع النواب الذين حضروا جلسة إقرار بيان الوحدة يوم 5/2/1958 ، كما أقرها شعب سوريا بما يقارب الإجماع فى استفتاء عام غير مطعون به ، وبذلك تكون الوحدة قد تمت ديمقراطياً، فى حين فصلت بانقلاب عسكرى ، وقد حالت القوى الانفصالية دون الاستفتاء على إعادة الوحدة ، لإدراكها أن غالبية شعـب سوريـا مع الـوحـدة بقيـادة عبـد الناصر ، برغم كل مـا قيل حول افتقاد الديمقراطية وغياب المشاركة السياسية . وبموجب المواثيق التى وافقت عليها نخب وجماهير سوريا اعتمد نظام دستورى يتولى بموجبه رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية يعاونه وزراء يعينون من قبله ، ويتولى السلطة التشريعية مجلس نيابى يختار أعضاؤه بقرار من رئيس الجمهورية ، ويشكل المواطنون اتحاداً قومياً تبين طريقة تكوينه بقرار من الرئيس ، الذى فُوّض بوضع دستور مؤقت . وفى ذلك دلالة قاطعة على أن شعب سوريا ، وبإرادة حرة ، أعطى عبد الناصر سلطات أوسع بكثير من سلطات الرئيس فى جمهورية رئاسية ، وعلى أنه اختار " الديمقراطية الاجتماعية " لتحقيق التغيير الاقتصادى / الاجتماعى الذى لم يستطع تحقيقه فى ظل الليبرالية . ويذكر خالـد العظم أن أكـرم الحـورانى ، وصبـرى العسلى ، وبقيـة الـوزراء لم يقروا فقط قرار حـل الأحـزاب ، وإنما تباروا فى تعـداد مضارها وذكـر استغلال نوابها للنفوذ (71) . فيما كان ميشيل عفلق شديد الحماس للاتحاد القومى ويبنى على قيامه الآمال (72) . ولا نحسب أن أحداً ممن شاركوا فى مباحثات الوحدة ، وصاغوا بيان إعلانها ، ووقعوا عليه ، والذين أقروه فى مجلس النواب ؛ كان فاقداً أهلية التصرف ، أو كان وعيه مغيباً ، ولكن كلاً منهم تصرف من منطلق تصوره بأنه يقـر أفضل البدائل المتاحـة لتحقيق مصالحه ومصالح حزبه ، أو الفئة التى ينتمى إليها . ولم تخرج ممارسات عبد الناصر طوال عهد الوحدة عن حدود صلاحياته الدستورية ، كما أنه تصرف باعتباره ممثل الدولة بإقليميها السورى والمصرى ، ولقد كان لأبناء الإقليم السورى نسبة أعلى من نسبتهم العددية كمواطنين فى جميع أجهزة الدولة ، من نواب الرئيس إلى الوزراء إلى السفراء والدبلوماسيين . فيما كان جميع الذين تولوا المسئولية التنفيذية فى الإقليم السورى من أبنائه ، ولم يصدر قرار رئاسى خاص بالإقليم السورى دون مناقشته مسبقاً مع أبناء الإقليم . ولقد أراد عبد الناصر من " الاتحاد القومى " أن يكون وسيلة تفاهم الطبقات بدلاً من تصارعها ، وتفاعل الأفكار بدل تصادمها ، وصولاً لأوضاع اجتماعية متكافئة ، وليكون أداة توظيف طاقات الشعب لمواجهة تحديات التقدم العلمى المتسارع ، وحدد تشكيله على أساس الانتخاب العام من القاعدة ، وصـولاً إلى " المؤتمـر القـومى العـام " الـذى يعتبـر السلطـة العليـا فى الـدولـة (73) . ويذهب د. سيـف الـدولـة إلى أن القضاء المصرى وكل شُراح القانون يرون أن " الاتحاد القومى " حول الشعب المنظم إلى سلطة دستورية رابعة ، واستهدف أن يكون الشعب مشاركاً فى العمل السياسى ، ليس فى فترة الانتخابات النيابية فحسب ، كما جرت العادة ، وإنما قبل الانتخابات وفيما بين كل انتخاب وآخر (74) . وقبيل انتخابات " الاتحاد القومى " فى صيف 1959 طالب نائب الرئيس أكرم الحورانى بشطب الذين يتم الاعتراض عليهم ، للحيلولة دون تسرب العناصر الرجعية ، الأمر الذى رفضه عبد الناصر ؛ محتجاً بأن ذلك سيؤدى إلى تشكيل معارضة للتنظيم قبل قيامه ، وأنه ليس ممكناً التحرى عن حوالى 130 ألف مرشح فى الإقليمين حتى يكون الشطب على أساس سليم . وذكر أنه تمت ممارسة الشطب فى انتخابات مجلس الأمة سنة 1957 ، وقد أحس أن ذلك خلف آثـاراً سلبية على تصور الناس لـلانتخابـات (75) ، وتسبب عـدم الأخـذ بقرار الشطب فى انقسام البعثيين السابقين ، فالجناح الموالى للحورانى انسحب من الترشيح ، واستقال من كان قد نجح من عناصره بالتزكية ، بينما قرر موالو عفلق خوض المعركة الانتخابية . غير أن هذا الجناح انقسم على نفسه حين تبين تدخل أجهزة وزارة الداخلية ضد المرشحين من البعثيين السابقين ، وبالنتيجة انسحب حوالى 90% من البعثيين السابقين الذين رشحوا أنفسهم (76) . ولأن الانتخابات لم تجر على خلفية صراعات سياسية أو اجتماعية ، ولا فيما بين أحزاب ومنظمات متنافسة ، وإنما بين أفراد مستقلين ، لجأ غالبية المرشحين إلى الاستقواء بالعصبيات المحلية ، وبالذات العائلية والطائفية ، والعلاقات الشخصية ، الأمر الذى يسر للعناصر اليمينية احتلال مـواقـع قياديـة فى تشكيـلات " الاتحاد القومى " على مختلف المستويات ، بحكم ما لها من نفوذ اجتماعى ، وعلاقات ممتدة ، وإمكانيات اقتصادية . يضاف إلى ذلك الآثار السلبية لمداخلات وزارة الداخلية ، ذلك لأن الأجهزة بشكل عام حريصة على الموالاة التامة ، وبالتالى فهى أقرب إلى الانفتـاح على العناصر الانتهازية والنفعية والمستعدة للسير فى ركاب كل حاكم ، مقابل انغلاقها تجاه العناصر الحريصة على احترام الذات ، ورفض منظق الاستـزلام . وبالنتيجة افتقدت لجان " الاتحاد القومى " خاصة فى الإقليـم السورى ، غيـر يسيـر مـن الكفاءات الرافضة مبدأ الولاء المطلق ، التى ابتعدت أو أُبعدت ، وكان فى ذلك خسارة لا تنكر لوجود عناصر من مختلف الانتماءات ، والتى كانت صادقة الإيمان بالوحدة واضحة الالتزام بقيادة عبد الناصر . وكمحصلة لمجمل الظروف التى أحاطت بتشكيل " الاتحاد القومى " لم يأت كما أراده عبد الناصر تنظيماً شعبياً متميزاً بدرجة عالية من الكفاءة ، ولا جاء الأداة الأكثر فاعلية فيما بين القيادة والقاعدة ، إذ تسربت لصفوفه الأولى عناصر تتناقض مصالحها تناقضاً عدائياً مع الأهداف التى أريد منه تحقيقهـا . إلا أن المنـاخ الثـورى العـام الذى كان قـائماً ، وتـواصل تفـاعـل عبـد النـاصر مـع الجمـاهيـر - كمـا سبــق بيـانـه - حالا دون أن تشكل لجـان " الاتحاد القومى " فى أى موقع أداة السلطة فى قمع الشعب أو تزييف إرادته . وأقصى ما يمكن أن يوجه إليه من نقد ، قصوره عن أن يكون أداة تواصل فاعلة بين القيادة والقاعدة ، ولكنه ما كان مطلقاً أداة تواصل سيئة ؛ ذلك لأنه لم يجاوز كونه مؤسسة قاصرة ، من بين مؤسسات نظام تديره قيادة كارزمية تقدمية التوجه ، شديدة الالتزام بالأهداف القومية ، واضحة الانحياز للجماهير. وإذا كانت بعض قيادات الصف الأول فى الإقليم السورى أيدت الانفصـال ، وشاركـت فى أول وزارة انفصاليـة ، فقد كان فى مقابلها العديد من رجالات الصف الأول الذين قادوا التيار الوحدوى المقاوم ، وشكلوا قيادة أبرز حركتين سياسيتين ناضلتا لإعادة الوحدة : " حركة الوحدويين الاشتراكيين" و " الجبهة العربية المتحدة " ، وذلك إلى جانب عناصر حركة القوميين العرب ، الذين كان لهم وجودهم الملحوظ بين قيادات " الاتحاد القومى " . وبرغم قصر تجربة " الاتحاد القومى " فى الإقليم السورى ؛ إلا أنها تركت أثرها سياسياً واجتماعياً ، وفى ذلك قيل : " إن عهد الوحدة كان للعديد من الشخصيات السورية مفتاح صعودها إلى العمل السياسى فى السنوات التالية " (77) . وفى سنـة 1959 أممت صحـف ومجـلات دور : الأهــرام ، وأخبـار اليوم ، والهلال ، وروز اليوسف ، حتى لا تبقى بتصرف أصحابها ، ولوضع وسائل النشر والإعلان التجارى بيد الدولة ، كما تقضى بذلك طبيعة النظام الاشتراكى المستهدف ، فيما تم تنظيم صحافة الإقليم السورى بالاتفاق مع أصحابها ، كما تواصل تطوير وتحديث سائر أجهزة الإعلام ودعمها بالكفاءات المؤهلة ، وكنتيجة لما أحدثته الوحدة فى الواقع العربى ، تضاعف تأثير إعلام دولة الوحدة فى المحيط القومى ، مما أسهم فى بلورة رأى عام عربى فاعل ومؤثر فى مجريات الأحداث ، بحيث باتت تحسب حسابه القوى المضادة العربية ، والإقليمية ، والدولية . وكان لضراوة الصراع الذى اشتد فى المنطقة فى أعقاب قيام الوحدة ، ولتفجر الصراعات فى أوساط قوى التحرر العربى عقب ثورة العراق فى 14/7/1958 تأثير ملحوظ على حرية التعبير ؛ حيث غلبت على مسئولى الرقابة وسائر الأجهزة الإعلامية نظرة التوجس تجاه كل ما يوحى بالتعارض - وليس فقط التناقض العدائى - مع الحكم ونهجه القومى التقدمى ، وبالتالى تواصلت عمليات تدخل الـرقيب وفـرض الضوابط الكابحة ، وبالنتيجة لم يكن هامش الحرية واسعاً ، حتى بالنسبة للملتزمين بالفكر القومى التقدمى ، إلا أن الهامش لم يكن شديد الضيق كما هو الانطباع الشائع . وهناك شواهد على تدخل عبد الناصر لصالح حرية التعبير كلما عرف بتجاوزات الأجهزة . وفى حدود مفاهيم " الديمقراطية الاجتماعية " يمكن القول إنه توفر فى الجمهورية العربية المتحدة مجال لحرية التعبير لم تحظ بمثله أغلب التجارب المماثلة المعاصرة لعهد الوحدة ، أو تلك التى جاءت فى أعقابه . وكان موقف المنظمـات الشيوعيـة والمثقفيـن الماركسيين قـد شهد تحولاً إيجابياً نحو عبد الناصر ونهجه ، فى أعقاب مؤتمر باندونج وصفقة الأسلحـة التشيكية سنـة 1955 ، أدى إلى انفتاح النظام إلى حد ما تجاه الطرفين ، تمثل بتصفية المعتقلات سنة 1956 ، غير أن تفجر الخلافات فيما بين قادة ثورة العراق ، وما استتبعه من صراع دام فيما بين عبد الكريم قاسم ومناصريه من الشيوعيين ، وبين العناصر والقوى القومية المعارضة نهجه الانفصالى، وعداءه الصريح للحركة القومية العربية ، كان له انعكاساته على الصعيد القومى عامة، وفى الجمهورية العربية المتحدة بشكل خاص ، إذ سرعان ما عادت الأحزاب الشيوعية فى البلاد العربية إلى التهجم على الفكـر والعمل القـومى العـربى ، والـدفاع بحرارة عن الكيانات القطرية ، وإثارة مختلف التطلعات المعادية للوحدة ، والـدفـاع عـن الحريات الليبرالية ، ومصالح الرأسماليين العرب (78) . وتحول الموقف تجاه عبد الناصر وقيادته ونهجه ، فإذا كانت أوصاف الفاشية والديكتاتورية العسكريـة قـد سقطـت عنه ، واستبـدلت بالوطنية والثورية والديمقراطية فى أعوام 1956 - 1958 ، فإن هذه الأوصاف الجديدة سقطت فى 1959 (79) . وقد استتبع ذلك العودة لاعتقـال الشيوعيين وملاحقتهـم ، إلا أن مـا لاقـوه فى الجمهوريـة العربية المتحدة لا مجال لمقارنته مطلقاً بما لاقاه القوميون فى العراق على يد الشيوعيين وأنصارهم . وكان لثورة العراق انعكاسها أيضاً على مواقف بعض العسكريين والساسة السوريين ، الذين لعبوا دوراً تاريخياً فى قيام الوحدة ، إذ أخذ بعضهم يعمل لتحقيق وحدة - أو اتحاد - العراق مع الجمهورية العربية المتحدة بهدف أن يشكل العراق ، بإمكاناته البشرية والمادية - إلى جانب الإقليم السورى - نوعاً من التوازن مع الثقل المصرى فى دولة الوحدة . مما يدل على تنامى الروح القطرية فى دولة الوحدة ، كما يتضح ذلك عند أحمد عبد الكريم (80) . وذلـك علـى خـلاف عفيـف البـزرى وأميـن النفـورى اللـذين اتهمـا بتحذيـر عبد الكريم قاسم من الوحدة (81) . أما ميشيل عفلق فقد حاول أن يستثمر الدور البعثى فى ثورة العراق لتحسين مركز جناحه فى دولة الوحدة ، وإلى جانب اندفاعه فى طلب تحقيق وحدة العراق مع الجمهورية العـربية المتحدة ، باشر نقد الأوضاع فى الجمهورية العربية المتحدة وقصورها الديمقراطى بالمفهوم الليبرالى ، ثم تقدم مع الحورانى والبيطار بطلب تشكيل " لجنة سداسية " تقوم بدور " القيادة الجمـاعيـة " تضم ثـلاثـة مصـريين وثلاثتهم عن الإقليم السورى ، الأمر الذى رفضه عبد الناصر باعتباره مطلباً غير دستورى ولا ديمقراطى . ولقد انقسم البعثيون تجاه الوحدة والحكم إلى أربعة أجنحة ؛ الأول : بقيادة ميشيل عفلق ، الذى بدأ نقده قبل انقضاء العام الأول للوحدة ، واستقر فى بيروت متخذاً من جريدة " الصحافة " منبراً لنقـده الصريـح والضمنى لنهـج عبـد الناصر ، والثانى : بزعامة الحورانى ، الـذى تـولى أنصاره عدة مناصب وزارية دخلوا بسببها فى صراع مع شركاء الحكم ، والتزم نهجاً أقرب إلى التأييد لفترة انتهت باستقالته فى 30/12/1959 ليتخذ موقفاً إقليمياً معادياً للوحدة والنظام ، الأمر الذى أفاد القوى المضادة التى كانت تتبلور وتقوى يوماً بعد يوم (82) . والثالث : بزعامة د. وهيب الغانم ونور الـدين الأتاسى ويوسف زعين ، الذين لم يلتزموا بحل الحزب ، واتهموا عبد الناصر وعفلق بالضلوع بمؤامرة أمريكية لتصفية الحركة الشعبية فى سوريا (83) ، وإن كان هذا الجناح الأقل بروزاً على المسرح السياسى فى عهد الوحدة، إلا أنه كان الأقرب والأكثر تفاعلاً مع " اللجنة العسكرية " التى سيطرت على الحكم فى سوريا عقب 8/3/1963 (84) . وكان الجناح الرابع بقيادة عبد الله الريماوى ، أمين فرع الأردن ، وعدد من رجال الصف الثانى من البعثيين السوريين المؤيدين الوحدة وقيادة عبد الناصر ، الذين يرون انتفاء التناقض العدائى بين الحكم والشعب ، وأن المبالغة فى ذكر الأخطاء ووضعها فى غير مجالها ، والضغط الدعائى للمطالبة بحلول للمشاكل المستجدة من أبرز الأساليب المعادية للحركة القومية العربيـة فى المرحلـة الجديـدة التى أعقبـت قيـام الوحدة (85) . ويمكـن القـول إن العلاقـة الناصريـة / البعثيـة خـلال عهـد الوحـدة ، لا تكاد تختلف كثيراً عن العلاقة الناصرية / الإخوانية فى سنوات الثورة الأولى ، بفارق أن البعثيين لم يلجئوا للعنف المسلح ، ولذلك لم يكن الرد على حملات نقد الأجنحة الثلاثة الأولى فى مستوى الرد على الإخوان ، غير أن الحكم وقع فى حملته الدعائية وللمرة الثانية فى خطأى التعميم وعدم التمييز بين من عادوه ومن كانوا يناصرونه ، كما وقع عبد الناصر فى خطيئة الهجوم على فكرة الحزبية دون تمييز بين واقع الجمهورية وبين الواقع العربى خارجها ، حيث كانت الأحزاب القومية والتقدمية تخوض أقسى معاركها فى مواجهة تحالف الاستعمار والقوى المضادة للحركة القومية العربية . وكثر الحديث - ولم يزل - حول الأجواء البوليسية التى خيمت على الإقليم السورى وكبت الحريات خلال عهد الوحدة ، وبفعل التكرار المتواصل كاد الاتهام يغدو من البديهيات التى لا تناقش ، خاصة نسبة ذلك لعهد الوحدة وباعتباره إحـدى نتائـج " التمصيـر " . وبداية نـلاحظ أنـه بقيـام الـوحـدة ، وما عنته عربياً وإقليمياً تضاعفت المخاطر الخارجية ، وبتـأثير ثــورة العراق ومباشرة عملية التغيير الجذرى ؛ أخذت تتنامى التناقضات مع القوى المحلية المعادية للنهج الناصرى القومى التقدمى ، وكان طبيعياً أن تتضاعف الأهمية النسبية للأمن الوطنى . ولقـد تولى عبد الحميد السراج - رئيس المكتب الثانى سابقـاً - وزارة الداخلية معظم عهد الوحدة ، وقد حال دون وجود ضباط مصريين فى أجهزة الأمن ، ويكاد يجمع دارسو التجربة أن جميع المسئولين عن التجاوزات كانوا مـن أبناء الإقليم ، وأن المسئولين مـن الإقليم المصرى، كانوا يتذمرون مـن ممارسات السراج وأجهـزتـه ، وبسبب ذلك تـوالى صدامـه مـع عبد الحكيم عامر (86) . ونلاحظ أن الحديث عن كبت الحريات مغالى به كثيراً ، ولا يستند بالنسبة للوقائع التى تذكر إلى حقائق موضوعية . والثابت أن الوزراء البعثيين المستقلين كانوا يلتقون بقياديين سابقين ، ويعقدون معهم الاجتماعات فى الإقليم السورى وخارجه دون مساءلة (87) ، كما واصل البعثيون السابقـون اتصـالاتهم فيما بينهم وبقـادة الحـزب ، ونقـدهــم العلنـى للحكـم وعبـد الناصر فى المقاهى العامة ، ولم يعتقل منهم إلا من تهجم بشكل صارخ على الرئيس ، ولأيام معدودات (88) ، كما يقرر الوزراء غير البعثيين الذين استقالوا أنهم لم يواجهوا أى متاعب فى القاهرة أو دمشق (89) . وحين تعقد المقارنة فيما كانت عليه حال الحريات العامة والخاصة فى الإقليم السورى بما كان سائداً فى المحيط العربى - خاصة فى العراق - يتضح حجم المغالاة وافتقاد الموضوعية فى الحديث عن الجـو البوليسى وكبت الحريات ، وتكفى الإشارة إلى أنـه لـم يـكن فى سوريـا معتقلـون سياسيون صباح يـوم الانفصال سوى 64 شيوعياً ، و 13 قومياً سورياً ، و 9 من الإخوان المسلمين (90) . وثمة حقيقة تاريخية لا يذكرها المتحدثون عن غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية فى عهد الوحدة ؛ وهى أن عبد الناصر كان الرئيس الوحيد فى حياة سوريا الذى تساقط الشهداء والجرحى وهم يحملون صورته ويهتفون باسمه فى مواجهة رصاص العسكر الانفصالى حين أطيح بالوحدة ، وكانت العادة فى سوريا أن تشيع جماهيرها كل رئيس يطيح به العسكر بالشتائم ، وأن يعانق المتظاهرون الضباط والجنود فرحين مستبشرين بزوال الكابوس الضاغط على صدورهم ، فيما عدا عبد الناصر الذى أحدث إسقاط عهده شرخاً عميقاً فى الشارع السورى . وثمـة حقيقـة تاريخيـة أخـرى يتجاهلهـا الـذين يعتبـرون القصـور الديمقراطى - الذى لا ينكر - فى عهد الوحدة ما يسر نجاح الردة الانفصالية ، وهى أن جماهير سوريا تصدت للانقلابيين من اللحظة الأولى ، ودفعت ثمناً غالياً من الشهداء والجرحى والمعتقلين طوال ما يقارب العامين فى محاولة لإعـادة الـوحدة ، والثابت تاريخيـاً أن النظام الديمقراطى فى إيران على عهد مصـدق والجبهة الوطنية لم يحل دون نجاح انقلاب الجنرال زاهدى المدبر أمريكياً سنة 1953 ، ولا حال النظام الليبرالى فى تشيلى على عهد سلفادور الليندى دون نجاح انقلاب الجنرال بينوشيه المدبر أمريكياً سنة 1972 ، ولقد دفع فى تمويل الانقلاب الانفصالى اثنا عشر مليون دولار ، ولم تكن الأجهزة الأمريكية بمعزل عن تدبيره وتأمين نجاحه.
Powered by !JoomlaComment 3.26
3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."
|
|||||||||
| LAST_UPDATED2 |